شكيب أرسلان
89
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
حرّ الشّمس ، ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار ، فقد حصل على نصب السفر ، الذي هو قطعة من العذاب الخ ا ه . أقول : وكم رأت طريق البيت الحرام من هذه المحارات وهذه الشقادف ، وكم رأت من راكب وفارس ، وحاف وناعل ، وكم تطهّرت نفوس ، وتهذّبت أرواح ، وصفت قلوب ، وزكت أعمال ، وخزيت شياطين ، وحقنت دماء ، وكفكفت دموع ، وصينت أموال ، كلّ ذلك بسبب هذه الآية الكريمة وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] وكم عاشت بهذه الآية مخلوقات ، ودخلت على الحجاز أموال ، اللهم إنّ كلّ ذلك لمما هو فوق تصوّر العالمين . أما النعمة والرفاهية اللتان أشار إليهما ابن جبير من حال حجّاج العراق وفارس وخراسان في ذلك الوقت ، فلم يبق منها شيء تقريبا إلى الأعصر الأخيرة ، لأنّ تلك الحال تحولت بسبب الحروب المتواصلة ، ولا سيما غارة المغول التي أتت على الحرث والنّسل ، ونسفت عمران المشرق نسفا ، فأقفرت البلاد ، وتقلّصت الزراعة ، وتشتت العباد ، ونضبت مواد التجارة ، وجاء فتح ترعة السويس في الزمن الخير ، فتحولت به تجارة الهند والصين عن فارس والعراق والشام ، واستأثر بها الأوربيون رأسا « 1 » ، مع أنّ ثروة بغداد والبصرة وشيراز وإصفهان وسيراف الخ كانت أيّام العباسيين مما تعجز عن وصفه الأقلام ، وتتقاصر الأرقام ، وتلك الأيام نداولها بين الناس .
--> ( 1 ) [ كانت رحلات ماركو بولو وماجلان وغيرهما من الرحالة الأوربيين بداية الحصار الاقتصادي على العالم الإسلامي ، تبعها تحويل طرق التجارة البرية والبحرية عنه ، فلما ضعف المسلمون اقتصاديا ، وافتقروا ، جاءهم الغزو العسكري والفكري ، فاحتل بلدانهم ، وشوّش أفكارهم ، فصاروا متخبطين لا يدرون إلى أيّ وجهة يسيرون ، وهذا حالهم إلى اليوم ، انظر كلام الأمير ص ( 98 - 101 ) ] .